ابن قيم الجوزية
32
الوابل الصيب من الكلم الطيب
ذلك بمن قدم ليضرب عنقه فافتدى نفسه منهم بماله كفاية ، فإن الصدقة تفدي العبد من عذاب الله تعالى ، فإن ذنوبه وخطاياه تقتضي هلاكه فتجئ الصدقة تفديه من العذاب وتفكه منه . ولهذا قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح لما خطب النساء يوم العيد « يا معاشر النساء تصدقن ولو من حليكن ، فإني رأيتكن أكثر أهل النار » وكأنه حثهن ورغبهن على ما يفدين به أنفسهن من النار . وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجه ، فاتقوا النار ولو بشق تمرة » . وفي حديث أبي ذر أنه قال : « سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ماذا ينجي العبد من النار ؟ قال الإيمان بالله قلت : يا نبي الله ، مع الإيمان عمل ؟ قال أن ترضخ مما خولك الله أو : ترضخ مما رزق الله قلت : يا نبي الله ، فإن كان فقيراً لا يجد ما يرضخ ؟ قال يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . قلت : إن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ؟ قال فليعن الأخرق . قلت : يا رسول الله ، أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع ؟ قال فليعن مظلوماً قلت : يا رسول الله ، أرأيت إن كان ضعيفاً لا يستطيع أن يعين مظلوماً ؟ قال ما تريد أن تترك في صاحبك من خير ؟ ليمسك أذاه عن الناس قلت : يا رسول الله ، أرأيت إن فعل هذا يدخل الجنة ؟ قال ما من مؤمن يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى أدخلته الجنة » ذكره البيهقي في كتاب شعب الإيمان . قال عمر بن الخطاب : ذكر لي أن الأعمال تتباهى فتقول الصدقة : أنا أفضلكم . وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال : « ضرب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد أو جنتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثدييهما وتراقيهما ، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة أنبسطت عنه حتى تغشى أنامله ، وتعفو أثره . وجعل البخيل